كلمة مثل: ذكي، مبدع، مميز، الأفضل، عبقري قد تغيّر مزاجنا في لحظات، وقد تجعلنا نشعر بأن جهودنا مرئية ومقدّرة. والمدح في أصله ليس مذمومًا؛ فقد ثبت أن النبي ﷺ مدح بعض أصحابه، ومن ذلك قوله لعمر بن الخطاب رضي الله عنه:
«ما لقيك الشيطان سالكًا فجًّا قط إلا سلك فجًا غير فجك».
وفي المقابل قال ﷺ:
«إذا رأيتم المدّاحين فاحثوا في وجوههم التراب».
قد يبدو للوهلة الأولى أن بين هذه الأحاديث اختلافًا، لكن عند التأمل يتضح أنها تتحدث عن صورتين مختلفتين من المدح؛ فليس كل مدح مذمومًا، وإنما المذموم هو المدح الذي يتجاوز حدّه، أو يكون فيه إطراء ومبالغة، أو يُخشى منه على الممدوح الفتنة والغرور.
وهنا تبدأ القصة النفسية للمدح.
عندما يصبح رأي الآخرين جزءًا من صورتك عن نفسك
تخيّل طفلًا اعتاد منذ صغره أن يسمع:
“أنت أذكى واحد.”
“أنت عبقري.”
“أنت دائمًا الأفضل.”
قد تبدو هذه الجمل جميلة جدًا، وقد يكون قائلها حسن النية تمامًا.
لكن مع تكرارها، قد لا يعود الطفل يسمعها باعتبارها مجرد تشجيع، بل يبدأ في بناء هويته حولها:
أنا ذكي. أنا الأفضل. أنا الذي لا أخطئ.
وهنا تظهر المشكلة عندما يواجه موقفًا يفشل فيه.
بدل أن يكون الفشل مجرد تجربة يتعلم منها، قد يشعر بأن هناك شيئًا يهدد الصورة التي كوّنها عن نفسه.
إذا كنت “ذكيًا” دائمًا، فماذا يعني أن تعجز عن حل مسألة؟
وإذا كنت “الأفضل”، فكيف تتقبل أن يتفوق عليك شخص آخر؟
وهكذا قد يتحول المدح الذي كان من المفترض أن يمنح الثقة إلى ضغط للحفاظ على الصورة التي صنعها المدح.
العقل لا يسمع المدح ككلمات فقط
عندما نتلقى التقدير، لا يمر الأمر علينا فكريًا فقط؛ فالقبول والتقدير والاعتراف من الآخرين يمكن أن تكون تجارب ممتعة، وترتبط باستجابات المكافأة في الدماغ.
لذلك قد نشعر بالسعادة والحماس عندما نحصل على الإطراء.
لكن مع التكرار، قد يبدأ الإنسان في البحث عن هذا الشعور مرة أخرى.
وهنا يمكن أن يتغير السؤال من:
“هل أنا راضٍ عن عملي؟”
إلى:
“هل أعجبهم عملي؟”
ومن:
“هل تطورت؟”
إلى:
“هل ما زالوا يرونني مميزًا؟”
وهذا فرق كبير.
لأن الإنسان عندما يجعل تقييم الآخرين مقياسًا أساسيًا لقيمته، يصبح مزاجه وثقته بنفسه أكثر ارتباطًا بما يسمعه منهم.
ولهذا قد يكون الإفراط في المدح خطرًا على الممدوح
وهذا المعنى أشار إليه ابن الجوزي رحمه الله، حين ذكر أن المدح يحمل آفتين؛ إحداهما تتعلق بالمادح، وهي الكذب، والأخرى تتعلق بالممدوح، وهي أنه قد يحرك فيه التكبر والإعجاب بالنفس.
وهذه الفكرة لافتة جدًا:
قد تضر الشخص حتى لو كانت نيتك تجاهه جيدة.
أنت تريد أن ترفع معنوياته، لكنه قد يبدأ في تصديق صورة مثالية عن نفسه.
وأنت تريد أن تشجعه، لكنه قد يصبح أكثر حساسية تجاه النقد.
وأنت تريد أن تقول له: أنت مميز، لكنه قد يبدأ في الشعور بأنه يجب أن يثبت تميزه طوال الوقت.
ماذا يحدث عندما يدخل النقد إلى حياة شخص اعتاد المدح؟
هنا تظهر مفارقة أخرى.
الشخص الذي يسمع مدحًا متوازنًا يستطيع أن يستقبل النقد باعتباره معلومة:
“هذا الجزء كان جيدًا، وهذا الجزء يحتاج إلى تحسين.”
أما إذا اعتاد الشخص أن يسمع صورة مثالية عن نفسه، فقد يشعر أن النقد هجوم شخصي.
لأنك لا تنتقد عمله فقط في نظره، بل تهدد الصورة التي كوّنها عن ذاته.
ولهذا قد تجد شخصًا متفوقًا جدًا، لكنه لا يحتمل الخطأ.
ليس بالضرورة لأنه ضعيف، بل ربما لأنه اعتاد أن تكون هويته مرتبطة بكونه الشخص الذي “لا يخطئ”.
وهنا يصبح المدح المبالغ فيه عائقًا أمام واحدة من أهم مهارات النمو:
القدرة على أن ترى نفسك بصدق.
اجتماعيًا، المدح المبالغ فيه لا يؤثر على الشخص وحده
تخيل مجموعة عمل يكون فيها شخص واحد دائمًا:
“أنت أفضل شخص عندنا.”
“لا أحد يفهم مثل ما تفهم.”
“ما نقدر نستغني عنك.”
قد يبدأ هذا الشخص، بوعي أو من دونه، في النظر إلى الآخرين من موقع مختلف.
وقد يبدأ الآخرون أيضًا في معاملته على هذا الأساس.
وهنا يمكن أن تتشكل علاقات غير صحية: شخص اعتاد أن يكون محور الإعجاب، وأشخاص اعتادوا على تقديم هذا الإعجاب له.
وفي بعض الأحيان لا يكون المدح هنا تعبيرًا صادقًا عن التقدير أصلًا، بل وسيلة للتقرب أو الحصول على مصلحة.
وهذا أحد الجوانب التي تجعل المدّاحين موضع تحذير؛ لأن المشكلة ليست فقط في الكلمات، وإنما في العلاقة التي قد تُبنى خلفها.
لكن هذا لا يعني أن نتوقف عن مدح الآخرين
وهنا تحديدًا تظهر دقة التوجيه النبوي.
النبي ﷺ مدح أصحابه، وفي الوقت نفسه نهى عن الإطراء والمبالغة، وقال:
«لا تُطروني كما أطرتِ النصارى ابنَ مريمَ؛ فإنما أنا عبدُه، فقولوا: عبدُ الله ورسولُه».
قد جمع العلماء بين الأحاديث بأن النهي يتعلق بالمبالغة، أو بالمدح الذي يُخشى أن يفتن الممدوح بنفسه، بينما المدح بحق واعتدال قد يكون جائزًا، بل قد تكون فيه مصلحة إذا كان يشجع الإنسان على الخير.
فالفكرة ليست:
“لا تمدح.”
بل:
“اعرف ماذا تقول، ولماذا تقوله، وكيف يمكن أن يؤثر فيمن يسمعه.”
ربما المشكلة ليست في المدح، بل في نوع المدح
هناك فرق كبير بين أن تقول لشخص:
“أنت ذكي.”
وأن تقول:
“تحليلك لهذه المشكلة كان دقيقًا؛ أعجبني أنك انتبهت لهذه النقطة.”
الأولى تمدح صفة ثابتة.
والثانية تصف سلوكًا أو جهدًا محددًا.
والفرق بينهما ليس لغويًا فقط.
عندما تربط قيمة الشخص بصفة مثل الذكاء أو الموهبة أو العبقرية، قد تجعله أكثر حرصًا على حماية هذه الصورة.
أما عندما تركز على الجهد والاستراتيجية والتصرف الذي قام به، فأنت تعطيه شيئًا أكثر فائدة:
معلومة يستطيع استخدامها وتطويرها.
بدل أن تقول له:
“أنت ممتاز.”
يمكنك أن تقول:
“الطريقة التي تعاملت بها مع المشكلة كانت ممتازة.”
هنا أنت لا تصنع له هوية مغلقة، بل تلفت انتباهه إلى شيء يمكنه فهمه وتكراره وتطويره.
والمدح الصادق لا يعني أن نتجاهل النقص
ربما أجمل أنواع التقدير هو الذي لا يمنع الإنسان من رؤية عيوبه.
أن تقول لشخص:
“أنت قدمت عملًا ممتازًا، لكن عندك نقطة تحتاج إلى تحسين.”
لا تقلل من قيمته.
بل على العكس؛ أنت تعامله كشخص قادر على سماع الحقيقة دون أن تنهار صورته عن نفسه.
فالإنسان لا يحتاج إلى من يقنعه بأنه كامل.
يحتاج إلى من يساعده على أن يرى ما لديه فعلًا، وما ينقصه، وما يستطيع أن يصبح عليه.
وفي النهاية…
ربما لهذا كان التحذير النبوي من المدّاحين أعمق مما يبدو.
فالمدح ليس مجرد كلمات جميلة تمر من فم إلى أذن.
قد يصبح صورة يبني الإنسان نفسه عليها.
وقد يتحول إلى توقع يخاف أن يخالفه.
وقد يصنع غرورًا يمنعه من التعلم.
وقد يجعل النقد مؤلمًا أكثر مما ينبغي.
وقد يحوّل تقدير الآخرين إلى حاجة مستمرة.
لكن في المقابل، المدح الصادق والمعتدل يمكن أن يكون دعمًا، وتحفيزًا، وتشجيعًا على الاستمرار في الخير.
لذلك ربما لا يكون السؤال:
“هل نمدح الناس أم لا؟”
بل:
هل مدحنا يجعل الإنسان يرى نفسه بوضوح أكبر… أم يجعله يحتاج إلى سماعنا حتى يعرف قيمته؟
لأن الفرق بين التقدير والإطراء ليس في عدد الكلمات فقط، بل في الأثر الذي تتركه تلك الكلمات داخل الإنسان.




اعجبني كيفيه تقديمك للمعلومه واستنادك على الدين 🤍