عندما نشاهد لاعب الرياضات الإلكترونية، قد يبدو لنا أنه لا يفعل أكثر من الجلوس أمام شاشة. لكن ما لا تراه العين كشفته الأبحاث العلمية. فخلال المنافسات، يمر الجسم والدماغ باستجابات فسيولوجية وإدراكية معقدة؛ يرتفع معدل نبضات القلب، ويزداد الضغط العصبي، ويُطلب من اللاعب اتخاذ عشرات القرارات في ثوانٍ معدودة مع الحفاظ على تركيزه حتى نهاية المباراة.
فماذا يحدث فعلًا داخل جسد لاعب الرياضات الإلكترونية؟ وهل هي مجرد ألعاب، أم أن العلم يرسم صورة مختلفة؟
جسمه لا يكون في حالة راحة
قد يبدو اللاعب ساكنًا، لكن جسده ليس كذلك.
فقد وجدت دراسات أجريت على لاعبي الرياضات الإلكترونية أن بعض الألعاب ترفع معدل ضربات القلب، وتنشط استجابة الجسم للتوتر، ويرتفع خلالها إفراز بعض الهرمونات المرتبطة بالضغط النفسي، خاصة في البطولات والمباريات الحاسمة.
وهذا لا يعني أن الرياضات الإلكترونية تعادل الجري أو السباحة من حيث الجهد البدني، لكنها تؤكد أن الجسم يبذل جهدًا ذهنيًا وفسيولوجيًا حقيقيًا، وليس مجرد جلوس بلا مجهود.
الدماغ هو اللاعب الحقيقي
في كثير من الألعاب التنافسية، لا يملك اللاعب سوى أجزاء من الثانية لاتخاذ القرار الصحيح.
وخلال المباراة، يكون مطالبًا بتحليل المشهد، وتوقع حركة الخصم، والتواصل مع فريقه، والتصرف بسرعة ودقة في الوقت نفسه.
ولهذا وجدت أبحاث عديدة أن اللاعبين المحترفين غالبًا ما يتمتعون بسرعة أعلى في رد الفعل، وتنسيق أفضل بين العين واليد، وقدرة أكبر على معالجة المعلومات مقارنة بغير اللاعبين، خصوصًا في الألعاب التي تعتمد على المنافسة والاستراتيجية.
الاحتراف ليس مجرد لعب
إذا شاهدت فريقًا محترفًا من الداخل، ستكتشف أن الأمر يشبه الأندية الرياضية أكثر مما يشبه جلسة لعب.
هناك ساعات تدريب يومية، وتحليل للمباريات، ومدرب يراجع الأخطاء، وخطط للمباريات القادمة.
ولا يتوقف الأمر عند ذلك، فالنوم والتغذية يؤثران بصورة مباشرة في الأداء. فقد أظهرت الدراسات أن قلة النوم تقلل سرعة الاستجابة، وتضعف التركيز واتخاذ القرار، وهي أمور قد تحسم نتيجة مباراة كاملة.
ولهذا تهتم كثير من الفرق الاحترافية بتنظيم ساعات النوم، والتغذية، والراحة، ويستعين بعضها بأخصائيي تغذية، ومدربي لياقة، وأخصائيين نفسيين، لأن الأداء داخل اللعبة لا يعتمد على المهارة وحدها.
حتى الإصابات موجودة
قد يبدو الأمر مفاجئًا، لكن للاعبي الرياضات الإلكترونية إصاباتهم أيضًا.
فالاعتماد على آلاف الحركات الدقيقة يوميًا باستخدام الفأرة ولوحة المفاتيح أو وحدة التحكم قد يؤدي إلى إصابات الإجهاد المتكرر، مثل آلام المعصم، والتهاب الأوتار، ومتلازمة النفق الرسغي، إضافة إلى آلام الرقبة والكتفين والظهر الناتجة عن الجلوس لفترات طويلة.
ولهذا أصبحت فترات الراحة، وتمارين الإطالة، وتحسين وضعية الجلوس جزءًا أساسيًا من برامج التدريب لدى كثير من الفرق الاحترافية.
هل يعني ذلك أنها بديل عن الرياضة؟
لا.
فالرياضات الإلكترونية لا تغني عن النشاط البدني، ولا تمنح فوائده الصحية نفسها، ولهذا يحرص معظم اللاعبين المحترفين على ممارسة التمارين الرياضية إلى جانب التدريب داخل اللعبة للحفاظ على لياقتهم وصحتهم.
لكن في المقابل، اختزالها في عبارة “مجرد شخص يجلس أمام شاشة” يتجاهل ما يحدث فعلًا داخل جسم اللاعب وعقله.
فالرياضة لا تُقاس بعدد الخطوات التي يقطعها الإنسان، بل أيضًا بما تتطلبه من مهارة، وتدريب، وانضباط، ومنافسة. والرياضات الإلكترونية تحقق هذه العناصر، وإن اختلفت طبيعة الجهد عن الرياضات التقليدية.
فربما لا يكون لاعب الرياضات الإلكترونية يركض داخل الملعب، لكنه يخوض منافسة حقيقية، يبذل فيها من التركيز والانضباط والاستعداد ما يجعل الأمر أبعد بكثير من مجرد “لعبة”.



