حتى أخي الأكبر قالها لي، وأعترف أنها زرعت في داخلي خوفًا حقيقيًا. لذلك دخلت الجامعة وأنا مقتنعة أن الأفضل أن أبقى وحدي، خاصة أنني بطبعي كنت إنسانة منغلقة وانطوائية.
كنت من النوع الذي، بمجرد انتهاء المحاضرة، يخرج مباشرة. أتجول في الممرات وسماعاتي في أذني، وأرفع قبعة الهودي على رأسي حتى يحين موعد المحاضرة التالية. وحتى داخل قاعة المحاضرات، كنت أبحث دائمًا عن آخر المقاعد، أو عن أكثر زاوية بعيدة عن الآخرين. كنت أفضل الجلوس في مكان لا يلتفت إليّ فيه أحد، ولا أضطر إلى بدء حديث أو التعرف على أحد.
لم أكن أتحدث إلا إذا اضطررت إلى ذلك، وكان أكثر ما يرهقني المحاضرات التي تعتمد على العمل الجماعي، لأنها كانت تجبرني على التفاعل مع الآخرين، وكانت بالنسبة لي أسوأ فقرة في يومي.
كانت لدي صديقة واحدة فقط من أيام المرحلة المتوسطة. وعلى عكسي تمامًا، كانت اجتماعية جدًا، وتكوّن صداقات بسهولة. وكانت دائمًا تحاول أن تجعلني أجلس مع مجموعتها، لكنني كنت أعتذر بلطف، لأنني كنت أشعر أنني مكتفية، ولم أرَ حاجة إلى التعرف على أشخاص جدد.
في أحد المقررات، جمعتني مجموعة عمل مع إحدى الطالبات، وتفاجأت بأننا متوافقتان إلى حدٍّ كبير، واستمتعت بالحديث معها. وفي الوقت نفسه، كانت هناك أكثر من طالبة تعجبني شخصيتها، وأتمنى التعرف إليها، لكنني كنت أجد المبادرة صعبة. كنت أفكر كثيرًا، ثم لا أفعل شيئًا، وهكذا انتهى عامي الأول تقريبًا دون أن أكوّن أي صداقات جديدة.
في السنة الثانية، أصبحت تلك الطالبة معي في أكثر من مقرر، وكنا نتبادل الرسائل بين الحين والآخر. ومع الوقت، لاحظت أنها تشبهني؛ هادئة، وخجولة، وغالبًا ما تجلس وحدها.
حينها قلت لنفسي: “إذا لم أبادر الآن… فربما لن يحدث شيء.”
كانت مجرد خطوة صغيرة، لكنها غيّرت سنوات الجامعة كلها. بدأنا نجلس معًا بين المحاضرات، ثم أصبحنا نخرج أحيانًا بعد انتهاء اليوم الدراسي. واكتشفت كم هو جميل أن تجد شخصًا يشبه مبادئك، وتشعر معه بالراحة دون أن تضطر إلى التصنع.
ومن تلك اللحظة بدأ كل شيء يتغير. بدأت أشارك في أنشطة الجامعة، وانضممت إلى الأندية الطلابية، وأصبحت أبادر بإلقاء السلام، وأبدأ الحديث مع الآخرين.
وحتى مكان جلوسي تغيّر. بعد أن كنت أبحث دائمًا عن آخر القاعة وأكثر الأماكن انعزالًا، أصبحت أجلس في منتصف القاعة، وأحيانًا في المقاعد الأمامية، بجوار زميلاتي. قد يبدو هذا تفصيلًا بسيطًا، لكنه بالنسبة لي كان علامة واضحة على أنني لم أعد الشخص نفسه الذي دخل الجامعة في عامه الأول.
حتى عندما أكون في مكان لا أعرف فيه أحدًا، أصبحت أحاول أن أبدأ الحديث بسؤال بسيط يكسر الجمود. وتعلمت خلال تلك المرحلة أن التفكير المفرط قبل بدء أي حديث لا يحمينا، بل يجعلنا نؤجل، ثم نتردد أكثر.
ومع مرور الوقت، لم أعد أنا وحدي من يبادر، بل أصبح الآخرون هم من يبدأون الحديث معي. أما الطالبات اللاتي كنت أتمنى يومًا التعرف إليهن، فقد أصبحن من صديقاتي.
وأحيانًا أتذكر بداياتي، وأبتسم. لأنني كنت مقتنعة أن الجميع يكرهني، رغم أن أحدًا لم يفعل لي شيئًا أصلًا. لم تكن سوى أفكار نسجها عقلي.
أما أكثر ما تغير داخلي، فهو نظرتي إلى عبارة: “كلها مصالح.”
واليوم لا أرى أن كلمة “مصلحة” سيئة أصلًا. فنحن في الدراسة، كما في العمل، نحتاج إلى شبكة علاقات. نحتاج إلى أشخاص نسألهم إذا غبنا، ونقدم لهم المساعدة عندما يحتاجون إليها، ونتبادل الخبرات، وندل بعضنا على الفرص، ونتعلم من بعضنا. وإذا كانت العلاقة قائمة على الاحترام، واللطف، والتعاون، فما المشكلة في أن يستفيد الطرفان؟ ليس كل نفعٍ متبادل استغلالًا، بل إن هذا، في كثير من الأحيان، هو المعنى الحقيقي للمجتمع.
وقد أفادتني هذه العلاقات أكثر مما كنت أتوقع. فعندما أغيب عن محاضرة، لا أشعر بأي تردد في سؤال أحد عمّا فاتني، وإذا احتجت إلى مساعدة في واجب أو مشروع، أجد دائمًا من أستطيع اللجوء إليه. وفي المقابل، أحرص على مساعدة غيري كلما استطعت. وهذا هو جوهر العلاقات الصحية؛ عطاء متبادل، لا استغلال.
وأستطيع أن أقول بثقة إن أجمل ما خرجت به من الجامعة لم يكن الدرجات فقط، بل الأشخاص. لأنك بعد سنوات، لن تتذكر كل محاضرة حضرتها، ولا الوقت الذي قضيته على هاتفك بين المحاضرات، لكنك ستتذكر الضحكات، والجلسات الطويلة، والمواقف التي جمعتكم، والأصدقاء الذين جعلوا هذه الرحلة أخف وأجمل.
ولو عاد بي الزمن إلى أول يوم في الجامعة، لقلت لتلك الفتاة التي كانت تختبئ في آخر القاعة، وتبحث دائمًا عن أكثر الأماكن انعزالًا: لا تخافي… هناك أشخاص سيجعلون هذه الرحلة أجمل مما تتخيلين. فقط امنحي نفسك فرصة للتعرف إليهم.
فإن كنت في بداية الجامعة، فلا تغلق الباب لأن أحدًا أخبرك أن “كلها مصالح.” كن على طبيعتك، لكن لا تخشَ التعرف إلى الآخرين. ابدأ بإلقاء السلام، واجلس بقربهم، وبادر بالسؤال، وشارك في الأنشطة إن سنحت لك الفرصة.
قد تبدأ أجمل صداقاتك بخطوة صغيرة جدًا… كما حدث معي.


