سبق أن تحدثنا عن اللغة التي تتحدث بها المشاعر إلى أجسادنا، وكيف يستطيع الحزن والخوف والقلق أن يتركوا آثارًا جسدية ملموسة. لكن هذه المرة، لفت انتباهي جانبٌ مختلف؛ ليس ما تفعله المشاعر بأجسادنا، بل كيف تستجيب أجسادنا لها قبل أن نفكر أو نتكلم.
لماذا، في لحظات الصدمة أو الحزن، تمتد أيدينا تلقائيًا إلى صدورنا؟ ولماذا تبدو هذه الحركة مشتركة بين معظم البشر، على اختلاف ثقافاتهم ولغاتهم؟ هل هي مجرد عادة اكتسبناها، أم أنها استجابة فطرية تحمل تفسيرًا علميًا؟
في الواقع، لا يتخذ الإنسان هذا القرار بوعي. فما إن يتعرض لخبرٍ صادم أو موقفٍ مؤلم، حتى يبدأ الدماغ بإطلاق سلسلة من الاستجابات خلال أجزاء من الثانية. ينشط الجهاز العصبي المسؤول عن الاستجابة للخطر، فيزداد إفراز الأدرينالين، وترتفع نبضات القلب، وتنقبض عضلات الصدر، وقد يشعر الإنسان بثقلٍ أو ضيقٍ أو خفقانٍ واضح في هذه المنطقة.
ولأن هذه التغيرات تُشعر الإنسان بثقلٍ في صدره، تمتد يده إليه تلقائيًا. وهذه الحركة ليست مجرد عادة، بل يراها المختصون إحدى صور التهدئة الذاتية؛ إذ إن اللمس اللطيف للجسد، وخصوصًا منطقة الصدر، قد يساعد على تهدئة استجابة الجهاز العصبي للتوتر، ويمنح الإنسان شعورًا بالأمان والاحتواء. ولهذا تُستخدم في بعض الأساليب النفسية ممارسات مثل وضع اليد على الصدر، أو احتضان النفس، أو تلقي احتضان من شخصٍ موثوق، للمساعدة على استعادة الهدوء وتنظيم المشاعر.
ورغم أن المشاعر تُعالج في الدماغ، فإن القلب ظل عبر التاريخ رمزًا لها. فنقول: انكسر قلبي، ضاق صدري، اطمأن قلبي. وهذه التعابير لا تصف مكان نشأة المشاعر، بقدر ما تصف المكان الذي يشعر الإنسان فيه بأثرها.
ولعل من أوجه التأمل في هذا الموضوع ما جاء في قصة موسى عليه السلام، حين خاف بعد أن رأى العصا تتحول إلى حيّة، فقال الله تعالى: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ [القصص: 32].
وقد فسر جمهور المفسرين الآية بأن الله أمر موسى عليه السلام أن يضم يده أو ذراعه إلى نفسه ليذهب عنه ما أصابه من الرهب والخوف.
وذكر بعض أهل العلم، كالبغوي وابن عطية، أن من شأن الإنسان إذا فعل ذلك في أوقات الفزع أن يقوى قلبه ويهدأ روعه. ثم قال ابن كثير رحمه الله: «وربما إذا استعمل أحد ذلك على سبيل الاقتداء، فوضع يديه على فؤاده، فإنه يزول عنه ما يجد أو يخف، إن شاء الله، وبه الثقة.»
قد تعتقد أن هذه الحركة مجرد ردة فعل عابرة، لكنها تذكرنا بأن الإنسان خُلق على فطرةٍ تجمع بين الروح والنفس والجسد، وأن ما يبدو بسيطًا قد يحمل من المعاني والحِكم أكثر مما ندرك. فكلما تقدم العلم في فهم الإنسان، ازددنا إدراكًا لتعقيد هذا الخلق وإحكامه، قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: 53].
قد تمتد أيدينا إلى صدورنا بلا وعي، لكن ما أودعه الله في فطرتنا من وسائل للسكون والطمأنينة ليس بلا حكمة. فسبحان من خلق الإنسان، وأحكم خلقه




رائع✨
جزاك الله خيرا