لو طلبت منك أن تتخيل شخصًا نشأ طوال حياته بالقرب من البحر، وآخر في قلب الصحراء، وثالثًا بين الجبال، فمن المحتمل أن يرسم عقلك صورة مختلفة لكل واحد منهم، حتى قبل أن تعرف أسماءهم أو قصصهم. والسؤال هنا: هل هذه مجرد صور نمطية صنعها المجتمع، أم أن للمكان الذي نعيش فيه فعلًا أثرًا في الطريقة التي نفكر بها ونتصرف؟
قد يبدو السؤال فلسفيًا، لكنه في الحقيقة سؤال ناقشه علماء النفس والاجتماع والجغرافيا لعقود. فلم يعد الإنسان يُدرس بمعزل عن بيئته، بل أصبح المكان الذي يعيش فيه جزءًا من فهم سلوكه. ويُعرف هذا المجال بـ”علم النفس البيئي”، وهو يدرس كيف تؤثر البيئة المحيطة في مشاعرنا، وقراراتنا، وعلاقاتنا، وحتى في الطريقة التي نتفاعل بها مع العالم.
من المهم هنا أن نوضح نقطة أساسية؛ لا توجد مدينة تمنح جميع سكانها الشخصية نفسها، ولا يوجد مناخ قادر على صناعة شخصية كاملة. فالإنسان نتاج عوامل كثيرة؛ الوراثة، والتربية، والثقافة، والتجارب، والظروف الاجتماعية. لكن البيئة التي نقضي فيها سنوات طويلة ليست مجرد خلفية لحياتنا، بل هي عامل نتكيف معه باستمرار، وهذا التكيف يترك بصمته علينا مع مرور الوقت.
فالدماغ البشري مصمم ليتأقلم مع محيطه. وعندما تتكرر ظروف معينة يومًا بعد يوم ولسنوات طويلة، لا يتغير جدول حياتنا فقط، بل قد تتغير استجاباتنا، وعاداتنا، والطريقة التي ننظر بها إلى العالم. ولهذا لا يتحدث الباحثون عن “شخصيات بحرية” أو “شخصيات صحراوية”، بل عن أنماط مختلفة من التكيف تفرضها البيئات المختلفة.
لعل أكثر الأمثلة التي دُرست هو تأثير العيش بالقرب من المسطحات المائية. فقد وجدت دراسات عديدة أن القرب من البحر يرتبط بانخفاض مستويات التوتر وتحسن الصحة النفسية، حتى إن بعض الباحثين أطلقوا على هذه الحالة اسم Blue Mind. وربما لهذا السبب ارتبطت مدن ساحلية مثل جدة في أذهان كثيرين بالمرونة، واللطف، وسهولة التعامل مع مختلف الأشخاص. ومع ذلك، لا يمكن إرجاع هذه السمعة إلى البحر وحده، بل تسهم فيها أيضًا طبيعة المدينة المنفتحة، وتاريخها، وتنوع سكانها.
وفي المقابل، تفرض البيئات الصحراوية نمطًا مختلفًا من التكيف. فالمناخ ليس مجرد درجة حرارة، بل هو عامل يعيد تشكيل إيقاع الحياة بأكملها. لكن من الخطأ أن نقول إن سكان الصحراء أكثر جفافًا أو أقل لطفًا؛ فهذه تعميمات لا تدعمها الأدلة. الأدق هو أن البيئة تدفع المجتمعات إلى تطوير أساليب مختلفة في العيش، وهذه الأساليب تصبح مع الزمن جزءًا من الثقافة، ثم تنعكس بدرجات متفاوتة على السلوك.
لكن المثير للاهتمام أن المكان لا يتكون من المناخ وحده. فالمدينة نفسها تتغير، ومع تغيرها يتغير سكانها أيضًا. فالمدن الحديثة، والعواصم الاقتصادية، والمدن السياحية تستقطب باستمرار أشخاصًا من ثقافات وخلفيات مختلفة، وهذا الاحتكاك اليومي يوسع آفاق الأفراد، ويجعلهم أكثر اعتيادًا على الاختلاف، وأكثر مرونة في التعامل مع أنماط جديدة من التفكير والسلوك.
ويمكن ملاحظة ذلك في مدن كثيرة حول العالم، ومنها الرياض. فرغم أنها تقع في منطقة صحراوية، فإن شخصيتها الاجتماعية اليوم لا يمكن تفسيرها بالمناخ وحده. خلال العقود الأخيرة أصبحت مركزًا اقتصاديًا وثقافيًا يستقطب سكانًا من مختلف مناطق المملكة، إضافة إلى مقيمين وزوار من عشرات الدول. ومع هذا التنوع، تتغير ثقافة المدينة تدريجيًا، وتتطور معها أنماط التواصل والعلاقات الاجتماعية. وهذا يذكرنا بأن المدن ليست كيانات ثابتة؛ فهي تتغير باستمرار، والإنسان يتغير معها.
ولا يقتصر تأثير المكان على المناخ أو التنوع البشري فقط، بل يمتد حتى إلى تصميم المدن نفسها. فقد أشارت دراسات في علم النفس البيئي إلى أن وجود المساحات الخضراء، ووفرة الضوء الطبيعي، ومستويات الضوضاء، والكثافة السكانية، وحتى شكل المباني والشوارع، كلها عوامل تؤثر في المزاج والانتباه ومستويات التوتر والشعور بالانتماء. فالمدينة لا تشكل المشهد الذي نراه فحسب، بل تشكل التجربة التي نعيشها كل يوم.
وربما لهذا السبب، عندما ينتقل شخص للعيش في مدينة مختلفة لسنوات، لا يكتسب لهجة جديدة أو عادات مختلفة فقط، بل يشعر أحيانًا أن شيئًا في داخله قد تغير. ليس لأن المدينة أعادت كتابة شخصيته، بل لأنها أعادت تشكيل الطريقة التي يتفاعل بها مع العالم من حوله.
في النهاية، ربما لا تصنع المدن شخصياتنا بالكامل، لكنها تترك عليها بصمة يصعب تجاهلها. فالمكان ليس مجرد إحداثيات على الخريطة، بل مزيج من المناخ، والجغرافيا، والعمران، والثقافة، والتاريخ، والتنوع البشري. وكل واحد من هذه العناصر يضيف طبقة جديدة إلى الإنسان الذي نصبحه مع مرور الزمن.
والآن جاء دوركم…
من أي مدينة أو منطقة أنتم؟ وهل تشعرون أن البيئة التي نشأتم فيها تركت أثرًا في شخصياتكم؟ وإن انتقلتم للعيش في مدينة مختلفة، هل لاحظتم أن شيئًا فيكم بدأ يتغير معها؟




فعلا لاحظت هالشي على شخصيات ناس بحياتي اللي من الرياض فيهم عصبيه و ياخذون اغلب الاشياء بجديه على عكس اللي من جده او الشرقيه كانوا باردين ونادر اشوفهم يعصبون ومروقين اغلب الوقت